محمد هادي معرفة

321

التمهيد في علوم القرآن

أخرى من علوم ومعارف وفنون ، وآداب وأخلاق وسلوك ، فيختاروا أحسنها وأنسبها بالحالة التي هم عليها . فَبَشِّرْ عِبادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ « 1 » . فلا فضل لامّة على أختها ولا شعب على آخر ، إلّا بمقدار تعهّداتها في الحياة ، ورعايتها للكرامة الانسانية العليا . لا شرف إلّا بالتقوى وهو التعهّد بمبادئ الانسانية الكريمة ، على شرط أن لا يفخر المتفضّل على غير ، وإنّما يترخّم عليه لينتشله ويأخذ بيده صعدا على مدارج الكمال . قال سيد قطب : القرآن يهتف بالانسانية جميعها على اختلاف أجناسها وألوانها ، ليردّها إلى أصل واحد ، وإلى ميزان واحد ، هو الذي تقوم به تلك الجماعة المختارة الصاعدة إلى ذلك الأفق السامق . يا أيّها الناس المختلفون أجناسا وألوانا ، المتفرقون شعوبا وقبائل ، انكم من أصل واحد ، فلا تختلفوا ولا تتفرقوا ولا تخاصموا ولا تذهبوا بددا . « يا أيّها الناس » والذي يناديكم هذا النداء هو الذي خلقكم « من ذكر وأنثى » وهو يطلعكم على الغاية من جعلكم « شعوبا وقبائل » إنها ليست التناحر والخصام ، إنّما هي التعارف والوئام . فأمّا اختلاف الألسنة والألوان واختلاف الطباع والأخلاق واختلاف المواهب والاستعدادات فتنوّع لا يقتضي النزاع والشقاق ، بل يقتضي التعاون للنهوض بجميع التكاليف والوفاء بجميع الحاجات . وليس للّون والجنس واللغة والوطن وسائر هذه المعاني من حساب في ميزان اللّه . إنّما هناك ميزان واحد تتّحد به القيم ، ويعرف به فضل الناس : « إنّ أكرمكم عند اللّه أتقاكم » . والكريم حقّا هو الكريم عند اللّه ، وهو يزنكم عن علم وخبرة بالقيم والموازين . « إنّ اللّه عليم خبير » . وهكذا تسقط جميع الفوارق ، وتسقط جميع القيم ، ويرتفع ميزان واحد بقيمة

--> ( 1 ) الزمر : 17 و 18 .